عجيب أمر التطوير فى بلدنا يأخذ منا اكثر مما يعطينا، التطوير أتى لنا بالكنتالوب (الاناناس شعبيا) وأخذ منا الشمام الاسماعيلاوي صاحب الطعم الذى لا يقاوم والرائحة العابرة للحدود، التطوير أتى لنا بإسكان اجتماعى وإسكان مصر وكمبوندات ومدن جديدة تضم ألوف الشقق الخالية وأخذ منا المساكن الشعبية التى كانت من أهم مكاسب ومكتسبات ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ والتى سترت ملايين المصريين ووفرت لهم السكن المحترم دون إرهاق جيوبهم ودون إشعارهم بالخوف والقلق من المستقبل، التطوير جاء لنا بدور سينما فخمة متعددة القاعات والافلام وأخذ منا دور السينما التى أحببنا من خلالها الفن والتمثيل والموسيقى التصويرية وفى هذا الخصوص يكفى النظر إلى مصير دور السينما التالية: الحلمية، اولمبيا، الشرق، ايزيس، الهلال، الاهلى، وهبى ، ستار, ريو، النصر ، ولا أعلم هل دار سينما زفتى ما زالت موجودة ودخولها فى المتناول كما كان الحال فى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ام تحولت إلى مول يضم دار سينما فخمة يحتاج دخولها إلى التضحية بجزء من المرتب أول الشهر، التطوير أتى لنا بمدن جديدة أقيمت فى مناطق صحراوية تم تعميرها وضخ الحياة فيها وأخذ منا اجود الأراضى الزراعية في الوادى والدلتا بعد أن زرعت تحت سمع وبصر كل أجهزة الدولة بالغابات الإسمنتية، فكان من نتيجة ذلك ارتفاع أسعار معظم الخضراوات والفواكه، والواقع يؤكد أن التطوير زاد الطماطم جنونا وأثبت أنها الأكثر تضررا من إغلاق مضيق هرمز.
والتطوير أتى لنا بطرق واسعة وكبارى ومحاور سهلت الحركة المرورية غير أنها فى ذات الوقت أخذت منا الكثير من الأرواح التى راحت ضحية حوادث مروريه قاتلة، إما نتيجة أخطاء بشرية أو عيوب فى المركبات أو عيوب فى الطرق نتيجة انجازها على عجل ومن خلال سلسلة من المقاولين منهم من يتمتع بضمير حى ومنهم دون ذلك، والأخطر أن التطوير أخذ منا كما هائلا من الغطاء النباتى والاشجار التى طالما انقذتنا من الشمس الحارقة وطالما لعبت دور التكييف المجانى للباحثين عن الظل ونسمة هواء.
وبمناسبة ذكر زفتى وهى سباقة إلى التجديد والتطوير فهى أول من أعلنت الجمهورية فى مصر وذلك في عز سطوة العصر الملكى والاستعمار الانجليزي، تذكرت قريتى الغالية سندبسط وأرض الجزيرة التى كانت قبالة بيت جدي فى شارع جسر النيل والتى كانت من أخصب الأراضى الزراعية التى تروي بالراحة، والتى تحولت إلى كتل سكنية وبيوت متجاورة بل متلاصقة وشوارع ضيقة، وأصبحت شبه خالية من الزراعة الا من رحم ربى وعبر جهود فردية، واختفت ساقية المياه المشرفة على النيل والمقابلة لبيت خالى والتى كثيرا ما جلسنا عليها فى الليالى القمرية.
والجسر الواصل بين سندبسط وزفتى والممر الحتمى لجيراننا فى مسجد وصيف طاله التطوير، فأجتثت شجرة الجميز العملاقة (كانت تمد سندبسط وما جاورها من قري بالجميز فاكهة الغلابة) والتى اشتهرت باسم جميزة الليثى، وتطوير الجسر أتى لنا بعربات النصف نقل والتكاتك وأخذ منا عربات الحنطور التى نشتاق إلى صوت أقدام خيولها وما كانت تمنحنا اياه من فرصة للتحليق والتفكر فى خلق الله وما يحيط بنا من جمال.
التطوير سنة الحياة شريطة ألا يعتمد ما دعا إليه الاعلان الشهير: انسف تخلص من حمامك القديم، فلماذا لا نجرب التعايش بين الكنتالوب والشمام الاسماعيلاوي ونجرب التعايش بين الكومبوندات والمساكن الشعبية ونجرب التعايش بين الدراجون فروت والجميز والتعايش بين الطرق الواسعة والأشجار والتعايش بين القطار السريع ومترو الانفاق والترام الذى يناسب الباحثين عن السكينة وممن يؤمنون بأن فى التأنى السلامة
--------------------------------
بقلم: عبدالغني عجاج






